روشنه

26 أغسطس, 2012

جديدي أُسطوانة منفردة. ما بين صدور أُسطوانتي المنفردة الأولى “ابنُ الجَنوب” عام 1999 وهذا العمل، أخرجت العديد من الأُسطوانات الخاصة مع عدة موسيقيين. اليوم، وفي زمن النشوة المعلوماتية، وعالم الموسيقى الرقمية الذي أصبح فيه الاختيار والانتقاء في غاية السهولة، اخترت العزلة الإيجابية والانفراد بذاتي. احتضنت عودي لأعتني برواية موسيقية متواضعة. واخترت مكانًا حميمًا في ضواحي مدينة سالزبورغ النمسوية عند الزميل الموسيقي برني روثاور، لتسجيل هذه الإسطوانة.

بحثت لهذا العمل عن عنوان وَدِدت من خلاله إرباك الناطقين باللغتين العربية والألمانية؛ لا بدافع الإساءة، بل بهدف إثارة فضولهم.

“روشنه” هي الشُّرفة التي يدخل عبرها الضوء، أو هي مكان حفظ المشروبات، وقد ازدهرت في الهندسة المعمارية في العهد المملوكي بمصر. وتوحي هذه الشرفة بمكان حميم ممتع، وخصوصًا لما عُرف عن ترف في حياة المماليك. أما في اللغة الألمانية فيُذكرِّ مصطلح “روشنه” نُطقًا بكلمة “روش” المتعارف عليها منذ القرون الوسطى، والتي تعني النشوة، مما هو غير بعيد عن أجواء حياة  المماليك.

ولكلمة “الروشنه” ارتباط بذاكرتي الشخصية: فقد سكنت وأهلي، ما بين الأعوام 1975- 1985، محلة “الروشه” في رأس بيروت (لُبنان). وعلى الرغم من أن كلمة “الروشه” فرنسية أصلاً (Rocher) ومعناها (الصخرة)، تصبح “روشنه” عند تفعيلها لغويًّا في العربية أيضًا.  لقد كانت “الروشه” شرفة متعتي ونشوتي، مرآتي على البحر الأبيض. بصوَر الأمس وفُضوله احتضنتُ عودي وعزفت مقطوعات موسيقية مشابهة لمعزوفات السويتْ في الموسيقى الغربية؛ مع أن هذا التشبيه غير دقيق، لكَون “سويت” الموسيقى الغربية تنقصها نفحات هواء الشرفة المشرقية.

في هذا العمل، يتوسط النص الشعري الأغاني، فتُرافق الموسيقى الشعر.

صور وتشبيهات لأغنيتين من هذا العمل ستبقى بعيدة بعض الشيء عن المستمع الغربي، رغم ترجمتهما إلى اللغتين الألمانية والإنكليزية:

كصورة الحصان الأصيل، تشبيهًا لشعبي الفلسطيني الذي يناضل من أجل حريته. صورة من منظور المنفي والمنفى، تروي مقاومة الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن كل محاولة احتواء واحتكار لهذه المقاومة، والتي هي ملك أبناء شعب فلسطين وبناته.

أما في أغنية “شرق المتوسط” فسيبقى اعتمادي لخطابة الشعر العربي القديم بطابع ساخر، كتعليق على ثقافة عربية حديثة لم يتجاوز فعلها حدود الخطابة، خارج حدود فن الترجمة.

الأغنية الأخيرة مهداة إلى “الربيع العربي” الذي أحيا أملاً جديدًا تردِّدُه  كلماتي :

“وبعد في صديق

يوفي بالوعد،

ويحلو الطريق

وتزيد حكاياتو”.

آمل أن لا يكون هذا التقديم للأُسطوانة  قد سبب اضطرابًا لفُضولكم أو لمتعتكم. وحدَها الموسيقى هي وسيلتي للتعبير عن ذاتي ومتعتي الليلية، فإليكم روايتي الموسيقية “روشنه”.


أول مرة

24 يونيو, 2011

أول مرة

يعايش المرء في استدامة حياته الموسيقية وبناء على المقولة الشعبية “عيش كتير، بتشوف كتير”، حالات مثيرة ومضحكة حتى يكتسب مناعة عدم تكرارها، لكنها في الاساس كانت قد حصلت ولأول مرة.

إنها عمان ومسرح البلد لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات، يستقبل مجموعتي الموسيقية بحفاوته المعهودة. أثناء العرض الموسيقي وعند انتهاء إحدى المقطوعات الموسيقية، تقف شابة في وسط الحضور وتسألني عن صاحب نص الاغنية. لم أفهم السؤال كون الموسيقي مهموم عادة في تأدية واجبات وجوده على المسرح. ويبدو أن الاغنية نالت إعجابها أو ربما ستغادر العرض بعيد دقائق ، بحيث لم تتخلى عن شجاعتها وعجلتها مكررة السؤال.

صرحت لها عبر مكبر الصوت عن إسم صاحب النص وبوادر الامتعاض تزحف على وجهي، ومن أجل طرد شر الامتعاض وباستعانتي بسُلْطة الواقف على المسرح، سألتها مازحاَ اذا كانت متزوجة! صفق و ضحك الجمهور ولكن الشابة ىبجهارة سؤالها الاول أجابت بأنها عزباء، وحتى لا يتحول العرض الموسيقي الى مؤسسة تحث على الزواج بادرت والفرقة بالانتقال السريع للبرنامج الموسيقي. لكن قبل انتهاء الفصل الاول من العرض صاح أحد الاصدقاء، وهو من الذين على معرفة بأصلي وفصلي ويبدو أنه أحب رياضة استكمال الاستجواب العلني والحوار الديمقراطي الطابع بين الموسيقي والجمهور، فسألني على الملأ اذا كنت أنا متزوجا! بعد ترددِ دام ثوان قلت للجمهور: أنا متزوج، لكن عن حب! والرد كان للقريب وليس للبعيد. مجدداَ يصفق الجمهور بحرارة شديدة مقفلاَ الحوار الصحفي ومناشداَ للمزيد من الموسيقى. أنتهت الحفلة ووضبنا الآلات الموسيقية وصاحبة السؤال تريد اجراء حوار صحفي شامل. بعد استدراكي ان مخزون اسئلتها يتجاوز الاحتياط النفطي العالمي، صارحتها بأني اريد معانقة سريري المنفرد لبضع ساعات من النوم، لأن حفلة عمان هي الرابعة على التوالي وغداَ سألعب في ڤينّا والتي سأصل مطارها عبر دمشق. وتجربة التنقل البريّ بين لبنان وسوريا والاردن خلال ستة أيام في جولة تخللتها أربعة عروض موسيقية إضافة لمخزون من أسئلة صحفية أوصلتني إلى تعب لم أعرفه سابقاَ، ولأول مرة أشعر بتعب يمنعني من النوم.

ويحلوَ الطريق

1 فبراير, 2011

أغنية لكل من تجاوز حواجز الخوف المعشش على دروبنا في العالم العربي

بعد في قمر

نصلي عا بوابو،

بعد في حلم

ناطر صحابو،

وبعد في صديق يوفي بالوعد،

ويحلو الطريق وتزيد حكاياتو.

بعد في قمر نصلي عابوابو …

ومن الحب ما قتل 2

10 يناير, 2011

هذان النصان تم اختيارهما من عنوانين لاغاني لكل من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب من دون اي اضافة او تعديل.

رسالة من أم كلثوم

يا ظالمني،

يا مسهرني،

ياللي شغلت البال،

يا فايتني وانا روحي معاك.

قل لي ولا تخبيش،

كل ليلة وكل يوم،

التُّقل ليه يا مالك قلبي،

تراعي غيري وتبسّم،

تشوف اموري وتتحقق،

انا وانت،

انا وانت ظلمنا الحب،

انت الحب،

انت عمري،

امل حياتي،

افرح يا قلبي،

اسأل روحك،

بعدت عنك بخاطري،

بعد الصبر ما طال،

البعد طال،

البعد علمني السهر.

الحب كده،

الحب كان من سنتين،

روحي وروحك،

سيرة الحب،

كل الاحبة اتنين،

فين العيون،

الفل والياسمين،

الورد فتح،

الورد جميل،

فين يا ليالي الهنا.

ودارت الايام،

فاكر لما كنت جنبي،

آه يا سلام،

ان كنت احب الشكوى اليك.

قلبك غدر بي،

قلبي عرف،

يا قلبي كان مالك،

ياللي جافيت ارحم حالي،

يا للي كان يشجيك انيني،

ما دام بتحب بتنكر ليه،

حيرت قلبي معاك.

حسيبك للزمن،

خلي الدموع دي لعيني،

شفت بعيني ما حدّش قال لي،

فات الميعاد،

على عيني الهجر،

بكرا السفر.

رسالة من محمد عبد الرهاب

أخاف عليك من نجوى العيون.

حاقولك إيه،

اسمع وقول لي،

إمتى الزمان اللي انكتب عالجبين،

آه منك يا جارحني،

إيه جرى يا قلبي.

تكايدني وليه يعني،

الدنيا سيكارة وكاس،

ساعة الجد،

ساعة ما بشوفك جنبي،

طال انتظاري،

ضحيت غرامي،

الصبر طال،

على إيه بتلومني.

قل لي عملّك إيه قلبي،

كنت فين تايه وغايب،

كل ده كان ليه،

كل اللي حب اتنصف،

وانا مسكين وحالي عدم،

واللي راح راح.

يا جارة الوادي،

ويلاه ما حيلتي،

الهوى والشباب،

قلبي غدر بي،

علموه كيف يجفو.

أيها الساري،

شكيت من الوعد آه،

جفنه علم الغزل،

أمانة يا ليل،

اللي يحب الجمال،

طول عمري عايش لوحدي،

الظلم ده كان ليه،

عمري ما انسى يوم الاثنين،

قابلته،

قلبي بيقولي كلام،

ناداني قلبي اليك،

يا دنيا يا غرامي،

يا دي النعيم،

يا نسمة الحرية،

يا بلادي،

وحر،

مع نصر الامة العربية،

إنده على الأحرار،

قولوا لمصر تغني معايا،

في الجو غيم،

صوت الجماهير،

شكل تاني.

موسيقى عربية معاصرة

25 نوفمبر, 2010

“لا نجد في الفن شيئاً مريحاً

أو عملاً مفيداً، بل نعثر على تفتّح للحقيقة”.

(هيغل من “علم الجمال III”)

تستوقفني أقوال بعض المطربين الجدد عن أعمال موسيقية غنائية شارك في تحقيقها سبعون عازفاً. أقوال يخال المرء من خلالها انه حيال عمل موسيقي ضخم شديد الخطورة. وفي السماع الدقيق للعمل يكتشف المستمع الكمية ويفتقد النوعية. جمل موسيقية رتيبة ومضخّمة من دون تميّز بين جموع العازفين.

تعاودني هنا صورة “لقاء السِّحاب” (التسمية الرسمية) الذي مهد له الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1963 بين القمّتين في الغناء المصري محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وغيتار عمر خورشيد عازفاً مقدمة “أنت عمري”. صورة مشابهة أو بالأحرى مكمّلة لمثل التصريحات أعلاه.

انساق جيل نهضة الموسيقى العربية الى المشهد الموسيقي – المناخي حيث انتصر المطرب. همّش هذا الجيل، رغم انجازاته الكبيرة، دائرة السماع لدى المتلقّي، حتى أمسى وعينا الموسيقي مرتبطاً بالأغنية، واسترخت الحداثة في الموسيقى العربية في أحضان الجمالية المستعارة.

وفي حين ساد الاسترخاء لدى جيل النهضة، انطلقت الحركات الفنية الأخرى في الثقافة العربية في طرح الاشكاليات والتساؤلات حول موضوع الحداثة منذ منتصف القرن الماضي، عجزت الحركة الموسيقية العربية لاحقاً عن طرحها، واتخذت الحداثة أشكالاً بنيوية جديدة لم تعهدها الثقافة العربية من قبل، فتخلّى كمّ هائل من الشعراء عن عروض الشعر وصولاً الى قصيدة النثر، وتشكّلت الرواية والقصّة والقصة القصيرة، وتحوّل مسرح الظلّ الى مسرح درامي او غنائي، وأضحت اللوحة تشكيلاً مجرّداً فحسب.

ومع نشوء الكيانات العربية المختلفة تشكّلت الأغنية الممثلة لها, وتخرجت من معاهد الموسيقى في العواصـم العـربية اجيال جديدة من الموسيقيين والعازفين على الآلات الغربية لوفرة المناهج والأساتذة، تبعها جيل موسيقي متمكّن على مستوى الآلات الشرقية في منهجية غربية، فالموسيقى العربية كانت تراثاً شفوياً الى منتصف القرن الثامن عشر، فضلاً عن النظرة الدونيّة الى الموسيقى العربية في معاهد التعليم الموسيقي.

استندت موسيقانا العربية تاريخياً في بنيانها الصوتي والنظري الى “كتاب الموسيقى الكبير” للفارابي (870-950) ومن ثم الى “الرسالة الشريفية في النسب التأليفية” وكتاب “الأدوار” لصفي الدين العمروي البغدادي (1225-1294) وأثّر هذان الكتابان الأخيران في التفكير النظري الموسيقي الشرقي وخاصة لدى الفرس والأتراك. خمسة قرون تمضي لتأتي “الرسالة الشهابية” في مجلة “المقتطف” لميخائيل مشاقة (1800-1889) فتحيي النظرية الموسيقية العربية من جديد، وتوسع دائرة تقسيم الديوان الموسيقي الى اربعة وعشرين صوتاً وتحدّد بالقياس العلمي ما تعرّفه بـ”ربع الصوت”.

ومنذ نهايات القرن الثامن عشر اكتسبت الموسيقى العربية عنصراً بنيوياً جديداً هو التدوين الموسيقي، لتتحوّل هذه الثقافة من تناقلها الشفوي الى موقع ثابت لا يحتمل إلا التنطيق الموسيقي. ووفرت الابتكارات الغربية من اذاعة واسطوانة وفيلم وتلفزيون سرعة انتشار هائلة للموسيقى. والى ذلك انتقلت الموسيقى الى المسارح وارتبطت انطلاقة الفيلم بالأعمال الغنائية لمداخل طويلة منذ تأسيسه.

واخذت الحداثة العربية في الموسيقى عند عتبات نهضتها الأولى انتقالات نغمية ومقامية لم يعهدها السماع العربي (“طلعت يا محلا نورها” لسيد درويش) الى كونشرتو كامل لآلة العود منفردة (المدرسة البغدادية/ الشريف محيي الدين حيدر) الى الغناء التقني الحديث لصوت الرأس (أسمهان) كاضافة جديدة لغناء الحنجرة (أم كلثوم).

لم تدم ويا للأسف انجازات الحداثة الموسيقية. فمظاهر الحشو في المشهد الموسيقي أصبحت هي الغالبة. وتشخّصت الموسيقى في شكل الأغنية. موضوعها رتيب وروتيني في الأحداث الكبرى والصغرى، فهمشت بذلك طموح الحداثة الأولى في جيل النهضة والأجيال الموسيقية الفتية.

كيف نواجه هذه الاجتياحات الغنائية بصيغ وقوالب بنيوية جديدة في الموسيقى العربية في ظل اتساع الهوة بين الذوق العام السائد والنوعية الموسيقية?

يبدو أن أملنا الوحيد كموسيقيين ان الموسيقى ما زالت مسموعة. وبغضّ النظر عن نوعيّتها. ففي رسالة شهاب الدين بن حجر الهيثمي (توفى في 1565) عنوانها “كَفّ الرّعاع عن محرّمات اللهو والسّماع” يحرم السماع ويفاخر بأنه كسر الآلات الموسيقية وعاقب الموسيقيين.

عدالة

31 أكتوبر, 2010

عدالة

جسدت رواية “الصبار” للروائية الفلسطينية سحر خليفة في ترجمتها الالمانية أول مدخل لي للإذاعة النمساوية في أواخر الثمانينات. فالرواية تُرجمت الى الالمانية ونالت اهتمام المتتبعين للأدب القادم من خارج القارة الاروبية. ومن ميزات الاذاعة النمسوّية الرسمية، حيث كانت أنذاك الاذاعة الوحيدة قبل خصصة موجات الاثير، انها كانت وما زالت تنتج البرامج الأدبية وتكون الموسيقى مرافقة لها. ويقوم ممثلون محترفون بقراءة النصوص المختارة ويتم إخراج حلقة أدبية بامتياز ويُشَجع المستمعون على شراء الكتب الادبية.

أُختيرت بعض الاغاني مني لاستخدامها في البرنامج وسُألت من مخرجة البرنامج اذا كنت عضواً في جمعية حقوق المؤلفين والناشرين الموسيقين في النمسا. لم أكن على إطلاع بهذه الجمعية وأنا ما زلت في خضم اكتشاف طريقي، أي الموسيقى لم تكن مهنتي، حيث لم أدر انذاك أن الموسيقى قد تكون مهنة.

المخرجة شرحت لي أهمية الانضمام الى الجمعية كونها المؤسسة المعنية بحماية العمل الموسيقي وإدارة الاموال المُستحقة من لعب هذه الاعمال في الاذاعة أو في المسارح وتحويلها لمن يُدعو أصحاب الملكية الفكرية. لم أفهم أنذاك الكثير مما قالته الُمخرجة وأعتقدت ان مثل هذه الجمعيات لا تضم سوى المتخرجيين الاكاديميين وانا كنت على عتبات الدخول في المجتمع النمسوّي وحل رموزه المختلفة حيث لم أُعير دخول الجمعية أي اعتبار.

سنوات مرت وأصبحت الموسيقى الحيز الاول في حياتي وصدرت أول اسطوانة لي في العام 1994 بعنوان “دواير”. وحازت الاسطوانة على قسط من الاعجاب ولُعبت في عدد من البرامج الاذاعية وكانت من الضرورة بمكان دخول الجمعية. وبعد انجاز الاوراق الادارية واكتشافي ان الجمعية تضم كل من كتب نصاً غنائياً، أو لحناً او نشر عملاً موسيقياً، وتصون الاعمال المُسجلة وتُدير الاموال المُحصلة من المسارح، الاذاعات وقنوات التلفزة. واكتشفت ايضاً ان الجمعية تفرض ضريبة على كل مؤسسة تستخدم الموسيقى، بمعنى أي شركة تجارية تستخدم الموسيقى على سبيل المثال في اجهزتها الهاتفية عند الاتصال بها أو المطاعم التي تُرفق زبائنها بالموسيقى المُسجلة لتسهيل عملية الهضم عندهم، يدفعون الضرائب السنوية، او الاسطوانات الفارغة والتي تٌشترى لدمجها على مستوى فردي غير تجاري تُفرض على صانعيها أو مستورديها ضريبة استباقية، كونها تُستخدم لنسخ الموسيقى أو الافلام. وهذه الضريبة بالتحديد تُوزع على اعضاء الجمعية بنسب الدخل المالي السنويّ من الجمعية.

لن أتعمق في تفاصيل أكثر في تكوين الجمعية ولكننا نحصد كأعضاء لها ثمرة ما خاضه فنانون سابقون رحلوا عنا ولكنهم كانوا حريصون على استحقاق حقوق المؤلف وليس على مستوى بلد معين انما على مستوى العالم.

قصة صغيرة تستحق الاشارة لها وقد تَهم من يؤمن بموضوع العدالة. طلب مني صديق مسرحي سويسري تلحين موسيقي لعمله المسرحي “ألانسة جولي” للكاتب السويدي اوغست ستريندبرغ (1849-1912). العرض سيكون في أحد المسارح الڤينوية الصغيرة والتي تُسمى بالمسارح الحرة، أي ليست مُلك الدولة. وفكرة التلحين كانت ترتكز على مُرافقة الشخصيات الرئيسية الثلاث في المسرحية بلحن دائم ويُسجل سابقاً وهذا ما تم. بعد سنة وصلني بلاغ الجمعية بالمحاصيل السنوية للأعمال الموسيقية التي لُعبت لي وكان من ضمنها الحان المسرحية. ولم أستطع معرفة وتحليل المبلغ المالي العائد من المسرحية حتى أني لم أكن أصلاً متوقعاً ذلك. فأتصلت بالجمعية مستفسراً عن كيفية تحصيلي لهذا المبلغ. وشرحت لي الموظفة الادارية بأن المبلغ تكوّن من مجموع مبيعات التذاكر من كل العروض المسرحية، وكل تذكرة تم بيعها تتضمن تغطية نسبوية لأصحاب الملكية الفكرية ، أي كاتب النص وكاتب اللحن. صُدمت من دقة الموضوع والحسابات وكيف أن مسرحاً صغيراً يعمل كأي مؤسسة ثقافية كبيرة، وكيف أن الجمعية تتعامل مع أي عمل موسيقي بتساو بغض الطرف عن صاحبه ومن يستخدمه.

الجميل في هذه العدالة أن المؤلف يكون على إطلاع اين ومتى لُعبت أعماله حتى لو لم يُسأل صاحب العمل الموسيقي. فكل الجمعيات في اوروبا مترابطة مع بعضها البعض ويتوازعون الاموال المُستحقة لأعضاء الجمعيات. والاجمل من ذلك أيضاً أني أتحدث عن مبالغ قد تكون متواضعة جداً أو قد تكون كبيرة جداً. المحزن لي شخصياً بموضوع هذه العدالة، رغم حضوري المتواضع في وسائل الاعلام والمسارح العربية، بأن الدولة الوحيدة في هذا المشرق العربي،  والتي وصلني منها مستحقات لعب أعمالي الموسيقية هي الدولة العبرية.

الفـنّ المـهـجــري

13 سبتمبر, 2010

الفـنّ المـهـجــري

ما زلت أذكر بعض الدروس في الأدب العربي خلال مروري عنوة في صفوف الثانوية الانجيلية الوطنية في بيروت، وما تحمله ذاكرتي هو الأدب العربي في المهجر. وبغض النظر عن أهمية هذا الأدب وصفاته النهضوية والنقدية، تستوقفني دائماً، ومن موقعي كمهاجر مقيم في النمسا، هذه التسمية “أدب المهجر”.

لعبت الجغرافيا بلا شك الدور الأساسي في اطلاق هذه التسمية. لكن لدى ازاحة هذا العامل الجغرافي، نجد أن الروافد المهجرية هي خارج الثقافة العربية من ناحية فعلها وتلقيها. بل أننا نتلقى شكسبير أفضل بكثير وفي منهجية أوروبية أفضل كثيراً عن تلقينا جبران خليل جبران.

تختلف موضوعات “الفن المهجري” باختلاف حامليه وتجاربهم، عدا اختلاف المشاهد الثقافية داخل القارتين الأوروبية والأميركية. وترتبط موضوعات هذا المشهد المهجري لدى الجيل الأول بهموم الثقافة العربية وقضاياها. لكن من أبرز سمات هذا الانتاج المهجري، اختلاف محيطه، مما يسعر وتيرة المقارنة بين الثقافة الأم وثقافة الآخر. فضلاً عن أن الإنتاج المهجري يمتلك أدوات جمالية حديثة في مخاطبة الآخر.

هذا المشهد المهجري بتنوعه الفني وامتلاكه خبرات جديدة ونوعية يتم عزلها عن الثقافة العربية في صورة استباقية وافتراضية في الوقت نفسه، صورة الحنين الدائم الى الوطن الأم، وتنحصر احتفاليتنا بهم في دوائر الافتخار لكونهم باتوا معروفين في أوطانهم الجديدة.

اليوم نشهد دائرة ثقافية واسعة المحاور في “المهاجر” وتحتضن هذه الدائرة أشكالاً فنية متعددة ورائدة ومعروفة في تلك البلدان. وبصرف النظر عما إذا كانت تلك “المهاجر” مرحلية أو طويلة الأمد، فإن بُعدها عن الثقافة الأم أضحى ساعات معدودة.

الصفة المركزية بين مشهد المهجر البارحة واليوم هو الإنتاج من موقع الحرية، وانعزال هذا المثقف عن سلطة مباشرة رغم سعي العديد في الانظمة السياسية الى ربط هؤلاء المثقفين بمدارهم.

هل سيتم عزل هذا المشهد المنتج واختزاله بصور الحنين والاشتياق إلى المنابع الأولى، مثلما فعلنا بجيلنا النهضوي الأول في القرن الماضي؟

تساؤل لا يشفيه سوى قول ناظم حكمت: المنفى مهنة شاقة جداً.

نُشرت في جريدة النهار اللبنانية يوم 30.03.2004

وما أدراكم ما هي البرتغال

1 يوليو, 2010

“مساء الخير، أنا موسيقي مثلي مثلك وأنتمي الى مجموعة عسكرية في البرتغال، وأريد دعوتك الى جولة تضامنية مع الشعبين العراقي والفلسطيني الى البرتغال”. هذه كانت كلماته عبر الهاتف، مستوضحا مني برنامجي وامكانية مشاركتي في هذه الجولة. لم أستطع الجواب وتمنيت عليه أن نتراسل عبر بريد الشبكة الكترونية.

كنت قد عزفت في البرتغال وأعجبت بها كثيراً، خاصة أنها تتمايز كثيراً عن الدول الاروبية الاخرى حيث سمات التواضع والمودة تجاه الاجانب اضافة لجمال العاصمة وهيبة ساحتها المركزية.  وأجمل ما شَدَّني هو وجود اصحاب المهن اليدوية ومحلاتهم المنتشرة في العاصمة، وهذا الانشداد هو مرض شخصي لدي لأني احب مشاهدة المنتوجات اليدوية، ولن اعالج هذا المرض حيث أصبح المرء يشاهد في مجمل العواصم نفس اسماء المحلات التجارية والمطاعم مع صبغة وطنية تشمل عادة قياسات الناس وعادتهم المحلية.

بالطبع اريد المشاركة، ولكن لم أفهم انكليزية المتصل وخاصة موضوع المجموعة العسكرية. هل هو من الجيش الاحمر أو من تجمع يساري مسلح يريد تحرير أوروبا عبر فلسطين والعراق. واذا كانت هذه المجموعة مسلحة، فعلى الارجح يجب أن تكون سرية ولكنه كان يتكلم بكل طلاقة عن الموضوع. لم يبدد غيوم تساؤلاتي سوى بريده السريع وبرنامج الحفلات الممتدد على خمسة مدن برتغالية، وأسماء الموسيقيين البرتغالين المشاركين في الحفل. رغم عدم معرفتي بمجمل الاسماء، لكن ماكينة البحث في الشبكة العنكبوتية أظهرت أن الاسماء هم من نجوم الاغنية البرتغالية، والمتصل أحد رموزها المعروفين.

أزحت موضوع المجموعة العسكرية عن ذهني وانشد تفكيري نحو تواضع هذا الشخص المتصل فيَّ شخصياً، وبرمجته لبرنامج فني سياسي كتعبير عن رفض الاحتلال الامريكي للعراق ورفض السياسات الاسرائيلية في فلسطين المحتلة، والاجمل من كل ذلك انه لن يكون في الحفلات أي كلمات سياسية، بل بيان صحفي يسبق الجولة الفنية ويعبر عن ارادة الموسيقيين المشهورين والمشاركين في هذه الفعاليات. وهذا النجم الموسيقي سيكون في استقبالي شخصياً في مطار برشلونة، وكيف أنه متأسف سلفاً عن تواضع الفندق ولكن أوضاعهم المالية لا تسمح بغير ذلك.

وصلت المطار وكان في انتظاري. يرتدي بدلة مريحة مع قميص عادي وحذاء رياضي، وحرارة استقبال تشكك أن مُستقبِلك من القارة الاوروبية. رغم ازاحتي لموضوع المجموعة العسكرية عن ذهني، لم تمنعني الازاحة عن الاستفسار عن هذا الموضوع في طريقنا الى الفندق. ويبدو ان ميزة اللغة الانكليزية وحتى حينما لا يفقه اثنان متحادثان في هذه اللغة، تصل الى نتيجة معينة تستخرج منها السياق العام ويستطيع المرء الفهم ولو بحدوده الدنيا. وما فهمته من اللغة الانكليزية على النمط البرتغالي ان المجموعة العسكرية هم من قاموا بالانقلاب على الديكاتورية في تاريخ 24.04.1974 ومهدوا الطريق للديمقراطية في البرتغال. وهذه المجموعة من الضباط ما زالت ناشطة ولها العلاقات الواسعة مع مختلف الشرائح الاجتماعية في البرتغال.

اذا كان احترامي تنامى للسيد جوزيه ماريو برانكو عبر البحث في الشبكة العنكبوتية، فقد بلغ هذا الاحترام ذروته قبل وصولي الفندق. لم أكن في حضرة موسيقي، انما في مدار واسع من الفكر والايمان بعالم أفضل، سمته الاحترام المتبادل والتضامن مع الضعفاء اينما كانوا. أوصلني الفندق وأخبرني عن موعد الغذاء مع الاصدقاء قبل التوجه الى الحفلة الاولى والتي تقع في شمال البلاد وتُدعى “كويمبرا”. اصدقاء الموسيقي أتوا الى موعد الغداء مع زوجاتهم وبلباس المدني المتواضع. انها المرة الاولى اجالس أحد الضباط المتقاعدين، والمرة الاولى التي أُسأُل فيها من قائد عسكري عن أحوال الضعفاء في بلادي. وبعد انتهائنا من طاولة الكرم والطعام البرتغالي الشهي وشرب نبيذهم الاحمر الذي مانعه الاخوة المشاركين من الشتات العراقي، وقف القائد العسكري مودعاً ويقول شكراً. ووقفت أنا، وكأني ممثلا شرعياُ ووحيداً للشعب الفلسطيني، شاكراُ للدعوة. ولكنه كرر شكره قائلاً: نحن نشكركم لانكم تقاومون. هززت رأسي ولم أستطع قول شيء البتة وأحسست بروعة عدم تمثيلي لاي أحد سوى لشخصي. هذا القائد العسكري المتواضع جداً والذي يُعرف باسمه الاول “أوتيلو” كان مرشحاً للرئاسة البرتغالية عام 1976.

وهكذا بدأت الجولة وأصعب ما فيها هو حفظ اسماء الاشخاص الذين تتعرف اليهم. البرتغاليون يمتلكون اسماء طويلة بعض الشيء وأقصرها ثلاثي وأول اثنان منها يُعتبران الاسم الاول وهذه الخصوصية البرتغالية صعّبت عليّ استيعاب الاسماء ولفظها السليم. وأجمل ما في هذه الجولة هو معرفتي لقصة أغنية محفظوة عن ظهر قلب من كل البرتغاليين. وهذه الاغنية خرجت عن ذاتها لتصبح ملحمة البرتغاليون منذ الانقلاب حتى يومنا هذا. فأغنية الموسيقي المغني بولو دي كارڤالو “وما بعد الوداع” عشية ثورة القرنفل في  الاذاعة البرتغالية  كانت إشعاراً لضباط الانقلاب بالتهيؤ واعلان الاستنفار العام. وطبعاً لم يكن الفنان على علم بذلك، ولكن الاغنية وصاحبها أصبحا من أيقونات الثورة التي انهت العهد الديكتاتوري. وفي حفلنا التضامني في المدينة الصغيرة تورش نوڤاش وفي مسرح “ڤيرجينا” كان جمهوره بانتظار هذه الاغنية.  وبعد مراجعتي لنص هذه الاغنية اتضح لي انها اغنية حب بامتياز، حيث يقول المقطع الاول منها:

وددت معرفة من أنا، وما أفعل هنا

ومن تركني، ومن نَسيتُ أنا،

سألت نفسي، واحببت معرفة من نحن

ولكن البحر لم يجلب لي صوتكِ.

في السكون، يا حبي، وفي الحزن الاخير

اتحسسك كوردة، اتحسسك تجرحيني،

أتذكرك، الوداع هو الموت

كالحب فيه الربح والخسارة.

أما الاغنية التاريخية الثانية وهي اغنية سياسية بحتة وكُتبت في عام 1964 وسُجلت في المنفى الباريسي وأشرف عليها السيد جوزيه ماريو برانكو واسمها “غراندولا،ايتها الارض البُنية اللون”، كانت الشيفرة الثانية لضباط الانقلاب بالنزول الى الشوارع. وهذه الاغنية كانت ممنوعة في العهد الديكتاوري في البرتغال ومجرد بثها عبر الاذاعة الرسمية كان فعلاً رمزياً لجميع البرتغاليين بالزوال القريب للعهد الديكتاتوري. أما صاحب الاغنية الفنان زيكا آفونزو، والذي لم يكن حزبياً، بات من رموز الثورة وغادر الحياة في عام 1987.

اما كلمات الاغنية فيقول مطلعها:

غراندولا،ايتها الارض البُنية اللون

أرض الإخاء

فيك يحكم الشعب، ايتها المدينة.

خلف كل زاوية  صديق،

وفي الوجوه تساوٍ.

في ظل سنديانة، لم تعد تدرك عمرها

عاهدتك ايتها المدينة الوفاء.

إنها حكمة الضباط أنذاك ان تكون أغنية شيفرة اذعان لثورة تُسمى ثورة القرنفل لعدم دمويتها، والاغنية الاولى بالذات كانت قد حصلت بنحو اسبوعين من الانقلاب على المرتبة الرابعة عشر في مسابقة اليورو فيجين الاوروبية عام 1974 وبعد الثورة على المركز الاول في قلوب البرتغاليين.

لا شيء غير الحب

1 يوليو, 2010

يعتقد الكثير منا أن الموسيقي العربي المقيم في الغرب يعزف ويُطرب الجاليات العربية المتواجدة هنا وهناك. ويبدو ان هذا الاعتقاد مرجعه قناعة راسخة، ان الموسيقى العربية لا يفهمها الا العرب. وحين يعاين المرء مفهومنا كعرب عن الموسيقى يكتشف سر هذه القناعة. الموسيقى، واختصاراً للموضوع هي الاغنية في وجداننا، والاغنية في حياتنا مرتبطة باللهو والانبساط، عجقة عرس، مطعم وكأس ومسرح. وموضوع الاغاني عموماً والتي نعتز فيها من تراث قديم، من نهضة بعض العرب، أو من الاغاني المشعشعة في صالونات الحلاقة والمطارات ومصاعد الابراج العملاقة، هو الحب، ويبدو أن لا شيء غير الحب في هذه الثقافة يستحق الغناء.

 ويعتقد المستمع من خارج اُذن السماع العربية، بأن الحب في بلادنا مُنتشر في الشوارع وعلى الارصفة اذا تواجدت. رغم كل هذا الحب المُغنى، الرفيع وفاقد المعنى، نرى ان نقيض الحب هو الوكيل الحصري في حياتنا. ونملك سياسة باتت احتكارية، لا ينافسنا فيها أحد من مختلف الثقافات، في الكره والتكريه وفي المنع والابعاد.

والثراء الاكبر الذي عايشته وما زلت أعيشه، رغم أني أغني في لغتي المكتسبة الاولى وهي العربية وأعزف العود العربي والشرقي، ثرائي الشخصي هو أنني لم أحدد جمهوري. الموسيقى، وهي لغتي المُكتسبة الثالثة بعد انكليزية المدارس الخاصة في بيروت وقبل دراستي الالمانية، سنحت لي أن أعزف لجمهور مستمع، اضافة لموقف شخصي يعزز مواقع الاستماع. وهذا لا يلغي بعض الهفوات مني بتحريض الجمهور للغناء حينا، أو في حضورعفوي لنكتة ساخرة تحرك بعض الركود. لكن يبقى فعل السمع والاستماع هو ملكة من يريد ان يتعبد بالموسيقى، ومن يريد أن يحلق بعيداً عن ضغوط الساعات النهارية، ومن يريد ان يشعر بوحدته في عالم السلام الموسيقي، أو لمن يريد تخفيف سرعة هذه الحياة.

وهذا الثراء الشخصي في عدم تحديد جمهوري جعلني أكوّن لغة موسيقية خاصة. وهذا الانفراد لم يأت من وعي شخصي ونرجسي كاسح، أو عبقرية موسيقية تفتقت في بداية مشواري، بل من تجارب نمت في حدتها ونعومتها قناعاتي الشخصية في الموسيقى. كما نقول في معجم امثالنا بأن القناعة كنز لا يفنى، وأسمح لنفسي بتتمة هذا الفصل من معجمنا العربي الكبير في الاقوال دون الافعال (عنوان كتاب لا بئس به)، القناعة تفني صاحبها ولذلك لا تُفنى لأن الناس وبعد أن يحتنق و يحترق صاحب القناعة يتكلمون عنه وكيف أن قناعته اوصلته الى قاع الهاوية، فتبقى ذكرى تلك القناعة. ما زلت أكتب هذه السطور من خارج الهاوية لشعوري بأن ما أعزفه يشاركني فيه وجوه لا تحمل اعلام أوطانها، ولا وطأة لغاتها.

بالطبع هناك من يراني كموسيقي فلسطيني، وآخرون كلبناني، وبعضهم كفلسطيني من لبنان، والبعض آلاخر كعربي من النمسا، والكل صائب في هذا، باسثناء شخصي أنا، لعدم توفر القدرات العقلية والبدنية الشخصية لتحقيق مجمل هذه الوطنيات ومترتباتها. وعلامات فشلي في ذلك هو أن الفلسطيني يعتبرني من تربة زعتر فلسطين، واللبناني من طينة بيروته، والنمساوي من ناصية المندمجين في مجتمعه. ولكن لولا الموسيقى لم تفح رائحة الزعتر البريّ، وهنا لا أعني مناقيش الزعتر، ولم تنم لوعة الفن من بيروت، ولم أكتشف الموسيقى العربية في ڤينّا. لن أدخل في مواضيع رؤى الغالبية في المذاهب والطوائف، حيث العبارة تضيق ولغة الكلام تتعطل.

هذه القناعات، اي لغتي الثالثة، أوصلتني الى مدن وأماكن نائية من هذه القارة الاوروبية وخارجها، رغم الصور السلبية السائدة عن الفلسطيني، عن اللبناني، وعن العربي بشكل عام. وهنا لا أتكلم من موائد المسترخين والقانعين بأن مجمل هذا العالم لديه عُقدة تجاه العرب، بل من موقع الفاعل والطارق والعازف. وكم بَددّت اقوال المستمعين بعد العديد من الحفلات غيوم الاستباق العاجل. يأتيك أحد المستمعين بين أودية جبال مقاطعة التيرول النمسوية، حيث تم اكتشاف أقدم جثة تاريخية مطمورة تحت ثلج لا يقبل التبدل ولا يعترف إلا بفصله الشتائي ولم تصله الا حرارة لاذعة البرودة ليتجدد في بياضه، ليقول هذا المستمع بأنه شعر بشوق بعد الحفل الى مدينة ڤينا. وكأني كمهاجر الى النمسا أُذَكر هذا الشخص الذي لم يغادر أودية جباله، بعاصمة بلاده العريقة. أو أن تعزف في قرية فرنسية تقع في جبال الميدي-البرينيه يصل عدد بيوتها الحجرية خمسة عشر، وللوصول الى مهرجانها الادبي- الموسيقي تستخدم في يوم واحد الطائرة، ثم القطار، ثم السيارة، ثم ما تبقى منك من قوة تنقلك الى أحد أسرة البيوت الحجرية. وعندما تشاهد هذه البيوت تعتقد أن كلمة مهرجان مُبالغ بها بعض الشيء، أو سكان القرية يصيبهم الوهن حين يتضاعف عددهم ويصبحوا نحو الخمسين فرداً فيسموا وجبة الطعام الجماعية مهرجاناً. والمفاجأة ان تشاهد المئات من القادمين من مختلف المناطق المجاورة ومعظم المشاركين في المهرجان ذو أسماء لامعة في الفن والادب.

أو أن تكون ممثلاً لدولة النمسا في مهرجان آلالات الوترية في مدينة الرباط المغربية، وتلقى نفسك أنك العواد النمسوي-العربي الوحيد في هذا المهرجان، أو الوحيد كعربي-نمسوي يعزف العود. هل كانت صدفة أن تكون النمسا من الدول المهتمة بالمشاركة في هذا المهرجان بالاضافة الى تركيا عبر عواد اناضولي أصيل، وكأن العوادون قلة في بلادنا العربية؟ 

 أو أن تقرر كموسيقي في أحد أديرة الموارنة العتيقة في قرية بحردق اللبنانية، والتي أوصلني أياها أنذاك راعي أبرشية فرقتي الثلاثية الاستاذ جورج الزغبي مشكوراً، ان يُقام الحفل في قبو الدير دون أجهزة تكبير الصوت، ليصفق الجمهور معتبراً ان حفلة موسيقية دون أجهزة الصوت تُعتبر سابقة لهم. أو ان تتحادث مع صحافية في بهو احد الفنادق وتناولك سؤالاً لأول مرة تسمعه. أول سؤال لم أسمعه من قبل، استحق مني التخلي عن اريحية الاريكة والوقوف احتراماً لصاحبة السؤال قائلاً: هل تسمحِ لي تقبيل جبينك؟ ابتسمت وسألت عن السبب. ليست القبلة تعبيري الوحيد عن الاحترام، بل سبق سؤال السماح انحناءة الموسيقي للجمهور. قلت لها أني لأول مرة أُسأل عن النهايات الموسيقية المفتوحة في عملي، وهذا سؤال عظيم، والشيء الاعظم هو تحسس المُستمع للنهاية المفتوحة، وتخلي الموسيقي عن دور القفلة المركزية، عن دور الابهارالسطحي و البطولي، وأن يصفق الجمهور من جانبه دون أن يشعر ان آخر نوتة موسيقية قد عُزفت وجاء دوره في التصفيق. والقفلة المفتوحة قد تعطي مساحة للمستمع ليجول وللفنان التنصت للصمت او لتنفس الحاضرين، وقد لا تعطي شيئاً، ولكنها تبقي مكاناً دافئاً للجميع. والاسئلة التي تصيب أعمدة القناعة الشخصية، تبعث الفرح لوصول الفكرة أصلاً، كون البعض من البعض الكثر، وما أكثرهم، يعتبر القفلة الموسيقية المفتوحة ضعفاً وأحد علائم الاستسلام.

وحدها قبلتي على جبينها، ولطمأنة الذين وصلوا لقراءة هذه السطور من اليوميات ولكون القبلة أحد تعابير الحب ولا شيء غير الحب يستحق الغناء، كانت مُقفلة.

نُشرت في جريدة البناء اللبنانية يوم 18.03.2010

العود مرآة العرب

1 يوليو, 2010

إنه العود، مَفخرة العرب منذ أن تلقفه اصحاب لغة الضاد في الحيرة في القرن السادس الميلادي، وجردوه من وجهه الجلدي كما عرفه وصنعه الفرس، ليصبح خشبياً قلباً وقالباً، وتحول من تسميته الفارسية “ﭘرﭘط” الى عود في العربية. كان العود في القِدم يحمل اربعة من الاوتار المزدوجة، رامزاً بذلك لسوائل الانسان الاربعة، او لحالات البشر الاربعة، الى أن اصطحبه العرب معهم الى سواحل اوروبا الاسبانية ليسمى في اللاتينية على وقع اسمه العربي، “لاأود”، ويضخ زرياب في سوائله الاربعة روحاً جديدة، فيضيف الوتر الخامس رمزاً للروح.

إنه العود، بوح وإباحية العرب، مما حدا ببعض أهل الكتاب بذم الوتر، فصوت الجّن في العربية هو العزف، وذم المعازف ليس لحُرْمتها في الاصل، انما لدعوتها لمجالس الخمر والفجور.إنه سهل الاقتناء، خفيف الظل ان نطق، يرافق القصيدة دون ضعضعة أركانها، يعطي المغني شباك للسهر، وللمؤلف حجة في التلحين،  وللمنَظِر في العلوم قواعداً للمقامات، وللمستمع فرصة للبكاء أو للفرح.

إنه العود، الناطق بألسِنِة العرب، اناثاً وذكوراً، من محيطهم الى خليجهم، من قديمهم الى جديدهم، في كتبهم ومعارفهم، في اسطوانة الشمع “البيضافونية” القاهرية الى اسطوانة مُدمجة عالمية. من الاساطنة المصريين في القصيدة الى بغداد الشريف محي الدين حيدر في رفع العود الى آلة مستقلة، معتمدة على نفسها في التعبير، حيث القصيدة طالقة أبدية تجدها في المقام ترنيماً دون حروف، وتصبح الموسيقى العربية لغة كونية لا تحتاج الترجمة.

إنه العود، تجده في بلاط السلاطين والملوك، في صالونات الطلائع ، تلقاه في حلقات الفلاحين والعمال، في نزهات المدارس والجامعات، وجزء من جدران بيوت للزينة.

أما أخشاب العود فقد تأتي من كندا أو من تركيا.

أما اوتار العود وريشه، تُصنع في ايطاليا، المانيا، فرنسا، اسبانيا، وقريباً في الصين.

أما حقائب العود ذو الجودة العالية المُخصصة للسفر تأتيك من خارج الخارطة العربية.

أما عودي أنا، فهو أرمني- لبناني الصنع، جنحت به عقود الزمن ورمته في ورشة صانع قيثارة الماني، رممه، واضاف له زنداً جديداً لا يعتدي على سابقه سوى في نوعية الصمغ الجديد. أتى اليّ صانع القيثارة في فريبورغ الالمانية، يريني هذا العود التاريخي كنموذج للأعواد التي بات هو يصنعها ويريدني التعرف والعزف عليها. لم اخف له استمالتي لصوت العود المُرمم، والذي ينطق بحكمة السنين التي بلغها. لم يستطع صانع الاعواد الالماني ان يقاوم رغبتي في اقتناء هذا العود، ورغبة المرء مُكلفة، خاصة عندما تُظهر رغبتك امام محقق الرغبات. باعني العود، الذي كان يعتبره نموذجا، وحقيبة خشنة تتحمل اعباء السفر، وأصبح هذا العود، الى جانب عودين امتلكاني، رفيقي.

إنه العود، مرآة العرب.

صانع الاعواد

تَذكُرُ إسمه فيعتقد المرء انك تخليت عن عالم الفن وأصبحت تخوض غمار السياسة. اسمه ذو شُهرة واسعة في لبنان، والذي يجمع الاثنان هو فقط الاسم، او على الاقل لا اعرف اذا كان بينهما رابطاً عائلياً. قبل عامين، في أذار 2008 وعند انتهاء حفلنا الموسيقي في قاعة الاسمبلي هول في الجامعة الاميركية، تهرع الي زميلتي الاسترالية جوانا لويس، وعازفة الكمان في الفرقة، وتشير الى المسرح، حيث هناك أحدهم يمسك بعودي. جفلتُ على عودي والتفت نحو المسرح، وابتسمت لجوانا شاكراً: لا تخافي انه صانع الاعواد، من المؤكد ان هناك شيء في صوت العود لم يعجبه، ولذلك يلقي عليه نظراته التفحصية. هدأت جوانا واعُجبت بموقفها وحرصها على أعز ما نملكه كموسيقين أو على الارجح كل ما نملكه. ذهبت الى خشبة المسرح لتقبليه والسؤال عن أحواله. ابتسامته، حرارته وأدبه يُخرجوا المرء من عالم الاحاديث والمجاملات القصيرة، من امكنة تشاهد وتُشَاَهد فيها. دقائق تمر وتكون عينه الفاحصة أعطت تقريرها وكيف انه سيكون في انتظاري في منزله لمعالجة الامر البسيط.

مهما كانت بساطة الخلل في آلة العود، وان كان هو صانعه أم غيره، يسبق المعالجة جلسة محبة، تكون فيها زوجته مكملة لابتسامته، وحرارته وأدبه. وهذه المحبة الجامعة تبدأ مكوناتها من مطبخه، ونملية مشروباته. ثم يأتي بجديده من الاعواد، ويستعرض تطبيقه لبعض التقنيات الحديثة أو الجديدة في هذه آلة أو تلك. وقد يُطرق بابه في هذه الاثناء من زائر قريب أو بعيد، أوهو يهاتف رفقة لاستكمال مراسيم المحبة. 

لم أشهد جلسة محبة في منزله دون تُرنم أغاني الموسيقار محمد عبد الوهاب عبر صوته العريض والرخيم وعزف اصابعه المثقلة تعباً في تصليح السيارات الاميركية. الميكانيك كان يوفر اللقمة الكريمة، والموسيقى قوت روحي لاستكمال كرامة العيش الكريم. لا يبيع أعواده إلا اذا عرِف وتعرف على مشتريه وجالسه واستمع اليه. اذا كان المشتري من الغائبين عن لبنان، فلا بد من ترشيحه من اناس يتمتعون بالثقة لديه. ومرة سمعته يقول عن أحد المشترين، بأن العود الذي اشتراه لا يناسبه، ولو ابتاع العود آلاخر كان أفضل له، وكأنه عندما يصنع اعواده يتخيل العازفين المقبلين على اقتناء اعواده.

قادني اليه في تسعينيات القرن الماضي الصديق التصوفي سامي حواط، ووصف التصوف للفنان ليس من منطلق ديني بل لتجرده عن شبكة الاحاديث القصيرة، عن اللامعنى في سرعة الحياة العصرية وأناقتها السطحية. غادرنا الجلسة المعهودة سوية وفي صحبتي عوداً جاهزاً للسفر. وبعد زمن قصير استبدلته بعود آخر، رأينا سوية، صانع الاعواد وأنا، أنه يناسبني.

يتكلم البعض عن أعواده وكأنهم اطفاله، وآخرين يتحدثون عن جودتها والبعض قد لا تعجبه بتاتاً، وهذا ليس محور كتابتي عن صانع الاعواد البير منصور. أعظم ما في الامر أن تجد شخصاً كالاستاذ منصور يحب مهنته، بل يعشقها. وهذا العشق هو دافعه في السبيل الصعب بين قوالب الخشب، وورق السنفرة، والمبارد على اختلاف اسنانها. هو اسلوب في الحياة وفي ممارسة مهنة صانع الاعواد. وضف على هذا العشق متابعته للحفلات الموسيقية في بيروت، وتنسمه الدائم للشرق في جديده وقديمه الموسيقي. اذا نظرنا حولنا نجد كماً من الطاقات السلبية المنتشرة، ضغوطا وكوابيسا يومية تبدأ من أول اشارة مرور نقف أمامها الى حين عودتنا الى منازلنا حيث قد نجد الكهرباء مقطوعة لسبب عدم توفر أي نوع من الطاقة. وهؤلاء الاحبة الذين يعشقون مهنهم يحولون ايامنا الى ساعات جميلة، يغمروننا بقناعاتهم الشخصية دون ارتباك، يتممون لنا ما صنعه الماضي القريب منا بإيجابية المنتج وصبر الفاعل.

لا أعرف اذا كانت كلمة “صانع الاعواد” قد ضُبِطَت في لغتنا العربية، ولا أعرف اذا كانت هذه المهنة إنُزِلت في المراجع الرسمية لاصحاب المهن الحرة، كل ما أدركته ان “صانع الاعواد” هو متمم “للعواد” وصانع الالحان.

نُشرت في جريدة البناء يوم 05.03.2010